أحمد بن محمد مسكويه الرازي
57
تجارب الأمم
بدنباوند [ 1 ] ، فقتله . ولم يسمع من أمور الضحّاك بشيء يستحسن ، ولا نقل من أخباره ما يكتب غير شيء واحد . وهو أنّ بليّته [ 2 ] لما اشتدّت ، وطالت أيّامه وتراسل وجوه الناس في أمره ، وأجمعوا على المصير إليه من البلدان ، وافى بابه العظماء والوجوه من النواحي والأقطار ، وتناظروا في الدخول عليه والتأتّى له [ 3 ] واستعطافه ، وأجمعوا على تقديم كأبى الإصبهاني ، وذلك لما رأوا من تحرّقه على ولديه ، [ 14 ] وجرأته على الكلام . فلما اجتمعوا ببابه أعلم بمكانهم ، فأذن لهم ، فدخلوا يقدمهم كأبى . فمثل بين يديه ، وأمسك عن السلام . ثم قال : - « أسلَّم عليك سلام من يملك الأقاليم كلَّها ، أم سلام من يملك هذا الإقليم ؟ » فقال : « بل سلَّم سلام من يملك الأقاليم كلَّها ، فإنّى ربّ الأرض . » فقال له كأبى : « فإن كنت مالك الأقاليم كلَّها ، فما بالك خصصت بتحاملك ومؤنك [ 4 ] وإساءتك ناحية كذا ؟ وهلَّا قسمت أمر كذا بين الأقاليم ؟ » ثم عدّد أشياء ، وجرّد له الصّدق ، حتى انخزل [ 5 ] له الضحّاك وأقرّ ، ووعد الناس بما يحبّون ، وأمرهم بالانصراف ليتّدعوا [ 6 ] ، ثم يعودوا إليه ليقضى حاجاتهم . وكانت له أم فاحشة بذيئة [ 7 ] جبّارة ، وكانت تسمع كلامهم لمّا دخلوا عليه ، فاغتاظت منهم وأنكرت إقراره للقوم . فكلَّمت بيوراسب [ 8 ] منكرة عليه وقالت : - « هلَّا دمّرت عليهم وأمرت بهم ؟ »
--> [ 1 ] . دنباوند ، دمباوند ، دباوند . دماوند : كورة من كور الرىّ . جبل عال جدّا ، مستدير قرب الرىّ . سجن أفريذون بيوراسب في رأسه ( مع ) . [ 2 ] . مط : نكبته . [ 3 ] . تأتّى للأمر : ترفّق وأتاه من وجهه . [ 4 ] . المؤن : جمع مفرده : مؤنه : الشدّة والثقل . [ 5 ] . انخزل : انقطع . وفي مط : « تحرك » بدل « انخزل » . [ 6 ] . ليتّدعوا : لا توجد في مط . اتّدع : سكن واستقرّ . [ 7 ] . بذأ : فحش في قوله . [ 8 ] . مط : هوراسب .